الشيخ محمد هادي معرفة
110
تلخيص التمهيد
قال الزمخشري : ولما اشتملت عليه الآية من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤوسهم ، لا لتجانس الكلمتين وهما قوله « ابلعي » و « أقلعي » وذلك وإن كان يخلي الكلام من حسن ، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللبّ وما عداها قشور « 1 » . سنأتي على محاسن الآية ودقائق مزاياها - بتقرير من جهابذة الفن - عند ذكر الشواهد على النكت البلاغيّة في القرآن ، إن شاء اللَّه « 2 » . جذباتٌ وجذوات « 3 » « اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ » « 4 » . نعم ، هو أحسن حديث سمعَته العرب بل البشرية جمعاء ، كتاباً متشابهاً ، لا يختلف أسلوبه في التعبير والأداء ، في أبدع لفظ وأفخم معنى ، في رَوعة وأناقة وإكبار ، لا يختلف أوّله عن آخره ولا أطرافه عن وسطه . مثاني ، تتكرّر قراءته من غير ملل ولا كسل ، بل هو المسك ما كرّرته يتضوّع . إنّها الأنفس البشريّة تهتزّ وجداً عند استماعه ، وتطرب خفّة عند تلاوته ، إنّها جذبة روحيّة تنجذب النفس انجذاباً من داخلها حيث جذوات الروح الملتهبة ، وليس وَهْماً أو خيالًا شعرياً في تيه الهيام . « إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » « 5 » .
--> ( 1 ) . الكشاف : ج 2 ص 398 . ( 2 ) . تحت عنوان « أعجب آية باهرة » . ( 3 ) . من تلك الجذوة التي جذبت موسى عليه السلام نحو الشجرة « فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » القصص : 30 . ( 4 ) . الزمر : 23 . ( 5 ) . ق : 37 .